محمد حسين هيكل

127

حياة محمد ( ص )

خروج محمد إلى الطائف سنة ( 628 م ) وكثرت مساآت قريش من بعد ذلك لمحمد حتى ضاق بهم ذرعا . فخرج إلى الطائف وحيدا منفردا لا يعلم بأمره أحد ، يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه ، ويرجو إسلامهم ، لكنه رجع منهم بشرّ جواب . فرجاهم ألا يذكروا من استنصاره بهم شيئا حتى لا يشمت به قومه . ولم يسمعوا له بل أغروا به سفهاءهم يسبونه ويصيحون به . ففر منهم إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة فاحتمى به ، فرجع السفهاء عنه . وجلس إلى ظل شجرة من عنب وابنا ربيعة ينظران إليه وإلى ما هو فيه من شدة الكرب . فلما اطمأن رفع عليه السلام رأسه إلى السماء ضارعا في شكاية وألم وقال : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين . أنت رب المستضعفين وأنت ربي . إلى من تكلني ! إلى بعيد يتجهّمني ، أو إلى عدو ملكته أمري . إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحلّ عليّ سخطك . لك العتبى حتى ترضى ؛ ولا حول ولا قوة إلا بك » . وطال تحديق ابني ربيعة فيه ، فتحركت نفساهما رحمة له وإشقاقا من سوء ما لقي ، وبعثا غلامهما النصرانيّ عداسا إليه بقطف من عنب الحائط . فلما وضع محمد يده فيه قال : باسم اللّه ، ثم أكل . ونظر عدّاس دهشا وقال : هذا كلام لا يقوله أهل هذه البلاد ! فسأله محمد عن بلده ودينه ، فلما علم أنه نصرانيّ نينويّ قال له : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ، فسأله عدّاس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال محمد : ذاك أخي كان نبيّا وأنا نبيّ . فأكبّ عدّاس على محمد يقبل رأسه ويديه وقدميه . وعجب ابنا ربيعة لما رأيا وإن لم يصرفهما ذلك عن دينهما ولم يمنعهما من التحدث إلى عدّاس حين عاد إليهما يقولان : يا عدّاس ، لا يصرفنك هذا الرجل عن دينك فهو خير من دينه . محمد يعرض نفسه على القبائل : وكأن ما أصاب محمدا من أذى خفّف من سخط ثقيف وإن لم يغير من جمودهم عن متابعته . وعرفت قريش الأمر فازدادت لمحمد إيذاء ، فلم يصرفه ذلك عن الدعوة إلى دين اللّه . وجعل يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب يدعوهم إلى الحق ، ويخبرهم أنه نبي مرسل ، ويسألهم أن يصدّقوه . غير أن عمه عبد العزى بن عبد المطّلب أبا لهب لم يكن يدعه ، بل كان يتبعه أينما ذهب ويحرّض الناس ألا يستمعوا له . ولم يكتف محمد بعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج بمكة ، بل أتى كندة في منازلها ، وأتى كلبا في منازلها ، وأتى بني حنيفة وبني عامر بن صعصعة ، فلم يسمع منهم أحد ، وردّوه جميعا ردّا غير جميل ، بل ردّه بنو حنيفة ردّا قبيحا . أما بنو عامر فطمعوا إذا هو انتصر بهم الأمر من بعده . فلما قال لهم : إن الأمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء لووا عنه وجوههم وردّوه كما ردّه غيرهم . هل أصرت هذه القبائل على عناد محمد لمثل الأسباب التي أصرت قريش من أجلها على عناده ؟ لقد رأيت بني عامر وكيف كانوا يطمعون في الملك إذا هم انتصروا وإياه . أما ثقيف فكان لها رأي آخر . فالطائف فضلا عن أنها كانت مصيف أهل مكة لجمال جوّها وحلو أعنابها ، قد كانت مستقر عبادة اللات وكان لها هناك صنم يعبد ويحجّ إليه . فلو أنّ ثقيفا تابعت محمدا لفقدت اللات مكانتها ، ولقامت بينها وبين قريش خصومة تترك لا ريب أثرها الاقتصادي في موسم الاصطياف . وكذلك كانت لكل قبيلة علة محلية اقتصادية كانت أقوى أثرا في إعراضها عن الإسلام من تعلقها بدينها ودين آبائها وبعبادة أصنامها .